حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
212
التمييز
نرى في بعض النّاس من زيّ وأبّهة ، فإن كان مع ذلك سداد أفعال وحسن تدبير وإلّا فلا تحفل به ولا تعوّل عليه ، فإنّ ذلك قد يكون في أقوام ضعيفة عقولهم . الإدراكات الخسيسة ليست بفضيلة ، ولا أصحابها معدودون في قسم العقلاء ، وقلّ أحد أن يسلم من الهوى ، ولكن قد يقلّ ويكثر ويخفى ويظهر / 93 ب / على قدر مغالبة العقل وعلى قدر قوّته وضعفه ، فالعاقل يداري هواه مداراة ، والسخيف يعجز عن ذلك لضعفه فيظهر هواه ويسوء حاله ، وإنّ العقول تصيب وتخطئ ، والآراء هي أقصى غايات العقول وقد يعرض لها الزّلل ، ومن أكثر الالتجاء إلى اللّه تعلقت به عنايته فقوّمه وسدّده وأراه وجه الصّواب فأناب وأصاب « 1 » ، وانّ الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها فلا يجدون الحرام إلّا حلوا ، وانّ كثرة المال والأعوان والشّهرة والشان من أكبر أسباب الخسران ، وقد أرانا اللّه عبرا علم أنّ الانسان لا يقبل النصح المجرّد ، فإذا ظهر سلطان العقل على الانسان جاءته الصفات الحميدة والأخلاق المرضيّة والطّباع الكريمة ومال حينئذ إلى الزّهد في الدّنيا وعزفت نفسه عن هذه الملاذّ الفانية ، وأكثر ما يكون العقول في أصحاب القلوب الرقيقة الليّنة فهؤلاء أصحاب الفهوم الثاقبة والآراء الصائبة ، وتقلّ العقول في أصحاب القلوب الغليظة القاسية يقتحمون الأمور القبيحة ولا يبالون أن يرون بعين نقيصة لقسوة قلوبهم وكثافة أرواحهم ، وأكثر ما يكون الأشرار من هذا القسم ، فانّ أصحاب هذه القلوب اللينة / 94 أ / السّليمة في راحة بما منحوا من الإفهام وعمارة البواطن وعموم النّاس في خباط ونزاع يضيّعون أعمارهم النّفيسة في الهوس ويلهجون بأمور لا تجدى عليهم ولا تزيدهم إلّا حيرة ، شعر ( الكامل ) سقطت نفوس ذوى العقول فأصبحوا يستحسنون « 2 » مكاسب الأنذال وقال معروف الكرخي : أزهد النّاس من لا يبالي الدّنيا في يد من كانت ، طوبى لمن أخرجته السّعادة من باب الشقا وأدخلته الصّيانة باب الاتقاء ، عمل
--> ( 1 ) وردت في داماد إبراهيم 946 ، بشير بوبو وأحمدية : فتاب وأناب . ( 2 ) جاءت في داماد إبراهيم 946 : يحتسنون .